أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

62

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله : مِنْهُمْ متعلّق ب « تَتَّقُوا » ، أو بمحذوف على أنه حال من « تُقاةً » لأنه في الأصل يجوز أن يكون صفة لها ، فلما قدّم نصب حالا . هذا إذا لم تجعل « تُقاةً » حالا ، فأمّا إذا جعلناها حالا تعيّن أن يتعلق « مِنْهُمْ » بالفعل قبله ، ولا يجوز أن يكون حالا من « تُقاةً » لفساد المعنى لأنّ المخاطبين ليسوا من الكافرين . قوله : نَفْسَهُ مفعول ثان لحذّر ؛ لأنه في الأصل متعدّ بنفسه لواحد فازداد بالتضعيف آخر ، وقدّر بعضهم حذف مضاف أي : عقاب نفسه . وصرّح بعضهم بعدم الاحتياج إليه ، كذا نقله أبو البقاء عن بعضهم ، وليس بشيء ، إذ لا بدّ من تقدير هذا المضاف لصحة المعنى ، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه في نحو قولك : « حذّرتك نفس زيد » أنه لا بدّ من شيء تحذّر منه كالعقاب والسّطوة ، لأن الذوات لا يتصوّر الحذر منها نفسها ، إنما يتصوّر من أفعالها وما يصدر عنها . وعبّر هنا بالنفس عن الذات جريا على عادة العرب ، كما قال الأعشى : 1233 - يوما بأجود نائلا منه إذا * نفس الجبان تجهّمت سؤالها « 1 » وقال بعضهم : الهاء في « نَفْسَهُ » تعود على المصدر المفهوم من قوله : « لا يَتَّخِذِ » أي : ويحذّركم اللّه نفس الاتخاذ ، والنفس عبارة عن وجود الشيء وذاته . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 29 إلى 30 ] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) قوله تعالى : وَيَعْلَمُ : مستأنف ، وليس منسوقا على جواب الشرط ، وذلك أنّ علمه بما في السماوات وما في الأرض غير متوقف على شرط فلذلك جيء به مستأنفا ، وفي قوله : وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من باب ذكر العام بعد الخاص وهو ما فِي صُدُورِكُمْ . وقدّم هنا الإخفاء على الإبداء وجعل محلّهما الصدور وجعل جواب الشرط العلم بخلاف ما في البقرة « 2 » فإنه قدّم فيها الإبداء على الإخفاء ، وجعل محملهما النفس ، وجعل جواب الشرط المحاسبة ، وكلّ ذلك تفنّن في البلاغة وتنوع في الفصاحة . قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ : في ناصبه أوجه : أحدها : أنه منصوب بقدير ، أي : قدير في ذلك اليوم العظيم ، لا يقال : يلزم من ذلك تقييد قدرته بزمان ؛ لأنّه إذا قدر في ذلك اليوم الذي يسلب كلّ أحد قدرته فلأن يقدر في غيره بطريق أولى وأحرى ، وإلى هذا ذهب أبو بكر ابن الأنباري . الثاني : أنه منصوب بيحذّركم أي : يخوّفكم عقابه في ذلك اليوم ، وإلى « هذا » نحا أبو إسحاق ، ورجّحه . ولا

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 145 ) ، البحر المحيط 2 / 425 . ( 2 ) انظر الآية ( 284 ) من سورة البقرة .